المسألة الثانية: قرىء: { جنات عَدْنٍ } مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله: { جنات عَدْنٍ } مبتدأ و { مُّفَتَّحَةً } خبره ، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف ، أي هو جنات عدن مفتحة لهم .
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول: أحوال مساكنهم ، فقوله: { جنات عَدْنٍ } يدل على أمرين أحدهما: كونها جنات وبساتين والثاني: كونها دائمة آمنة من الانقضاء .
وفي قوله: { مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب } وجوه الأول: أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام ، فيدخل كذلك محفوفًا بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة ، قال تعالى: { حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين } [ الزمر: 73 ] . الثاني: أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم ، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث: المراد من هذا الفتح ، وصف تلك المساكن بالسعة ، ومسافرة العيون فيها ، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة .
ثم قال تعالى: { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا } يدعون فيها ، وفيه مباحث:
البحث الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في الجنة ، وذكر في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء ، فقال في آية: { عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ } [ يس: 56 ] وقال في آية أخرى: { مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ } [ الرحمن: 76 ] .
البحث الثاني: قوله: { متكئين فيها } حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: { يَدْعُونَ فِيهَا } والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال: { بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب ، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير ، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة ، فرغبهم الله تعالى فيه .
ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح ، فقال: { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } وقد سبق تفسيره في سورة والصافات ، وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم ، وقوله: { أَتْرَابٌ } أي على سن واحد ، ويحتمل كون الجواري أترابًا ، ويحتمل كونهن أترابًا للأزواج ، قال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة ، أنهن لما تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية ، وذلك يقتضي عدم الغيرة .
ثم قال تعالى: { هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب } يعني أن الله تعالى وعد المتقين بالثواب الموصوف بهذه الصفة ، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام الثواب فقال: { إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نَّفَادٍ } .