المسألة الثانية: تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ووجه الاستدلال به أن قوله: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفًا بصفة كونه مثابة للناس ، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس ، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء ، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب ، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى ، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف ، فوجب تحققه في الطواف ، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه .
أما قوله تعالى: { وَأَمْنًا } أي موضع أمن ، ثم لا شك أن قوله: { جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْنًا } خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر ، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر .
أما القول الأول: فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا } [ العنكبوت: 67 ] وقوله: { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } [ القصص: 57 ] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضًا فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } [ البقرة: 191 ] فأخبر عن وقوع القتل فيه .
القول الثاني: أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنًا من الغارة والقتل ، فكان البيت محترمًا بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه ، لا يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشًا: أهل الله تعظيمًا له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال E: