فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 8321

« إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها كما كانت » فذهب الشافعي Bه إلى أن المعنى: أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله A ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي Bه: إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه ، وقال أبو حنيفة C: لا يجوز ، واحتج الشافعي C بأنه E أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي C: وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدًا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، واحتج أبو حنيفة C بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله: { وَأَمْنًا } ليس فيه بيان أنه جعله أمنًا فيماذا فيمكن أن يكون أمنًا من القحط ، وأن يكون أمنًا من نصب الحروب ، وأن يكون أمنًا من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشافعي C أولى .

أما قوله تعالى: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي: { واتخذوا } بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر .

أما القراءة الأولى: فقوله: { واتخذوا } عطف على ماذا ، وفيه أقوال ، الأول: أنه عطف على قوله: { اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة: 122 ] ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . الثاني: إنه عطف على قوله: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة: 124 ] والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقال: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره قوله تعالى: { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } [ الأعراف: 171 ] . الثالث: أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد A أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْنًا واتخذوا } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنًا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، أما من قرأ: { واتخذوا } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفًا على: { جَعَلْنَا البيت } واتخذوه مصلى ، ويجوز أن يكون عطفًا على: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } وإذ اتخذوه مصلى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت