المسألة الثانية: ذكروا أقوالًا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو:
القول الأول: إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ذكروا وجهين: أحدهما: أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضًا فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس . وثانيها: ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } [ البقرة: 127 ] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم E عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام .
القول الثاني: أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد . الثالث: أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء . الرابع: الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه . الأول: ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر . وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلًا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع . وثالثها: ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: بلى . قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية . ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى . وخامسها: أنه تعالى قال: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع . وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال: ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } على مجاز قول الرجل: اتخذت من فلان صديقًا وقد أعطاني الله من فلان أخًا صالحًا ووهب الله لي منك وليًا مشفقًا وإنما تدخل ( من ) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم .