فهرس الكتاب

الصفحة 2178 من 8321

ثم قال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا } .

واعلم أن فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } إلى ماذا يعود؟ على وجوه: الأول: قال عطاء: إنه خاص في قتل النفس المحرمة ، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . الثاني: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة . والثالث: قال ابن عباس: إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع .

المسألة الثانية: إنما قال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا } لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض ، وقد يكون ذلك حقا كالقود ، وفي جملة ما تقدم أخذ المال ، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها ، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد .

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة . قالوا: وقوله: { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال: بتخليدهم ، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ، لأنه لا قائل بالفرق . والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع ، إلا أن الذي نقوله ههنا: ان هذا مختص بالكفار ، لأنه قال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْمًا } ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير ، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله ، ولا شك أن من كان كذلك كان كافرًا لا يقال: أليس أنه وصفهم بالايمان فقال: { يا أيها الذين آمنوا } فكيف يمكن أن يقال: المراد بهم الكفار؟ لأنا نقول: مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة ، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا: أنهم كانوا مؤمنين ، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان ، فاذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام . فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه؟ والله أعلم .

ثم أنه تعالى ختم الآية فقال: { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا } .

واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية ، وحينئذ يمتنع أن يقال: ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض ، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] أو يكون معناه المبالغة في التهديد ، وهو أن أحدًا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت