« لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء وثانيها: قوله E: « ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون » أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها: أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء ، يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها ، ونكح النعاس عينه ، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى ، وقال الشاعر:
التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا
وقال المتنبي:
أنكحت صم حصاها خف يعملة ... تعثرت بي إليك السهل والجبلا
ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد ، فوجب حمله عليه ، ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء ، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعًا ، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة ، فقال: فرقت العرب في الاستعمال فرقًا لطيفًا حتى لا يحصل الالتباس ، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة: أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها ، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا غير المجامعة ، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد ، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة ، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث ، وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله: { وَلاَ تَنْكِحُواْ } في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ، فأنكر بعضهم ذلك ، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار ، ويدل عليه وجوه أحدها: قوله تعالى: { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } [ التوبة: 30 ] ثم قال في آخر الآية: { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة: 31 ] وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك وثانيها: قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة ، ولما كان ذلك باطلًا علمنا أن كفرهما شرك وثالثها: قوله تعالى: { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة } [ المائدة: 73 ] فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة ، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة ، والأول باطل ، لأن المفهوم من كونه تعالى عالمًا غير المفهوم من كونه قادرًا ومن كونه حيًا ، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها ، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام ، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك ، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتًا ثلاثة قديمة مستقلة ، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى ، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها ، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك ، وقول بإثبات الآلهة ، فكانوا مشركين ، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق ورابعها: ما روي أنه E أمر أميرًا وقال: إذا لقيت عددًا من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، سمى من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك ، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك وخامسها: ما احتج به أبو بكر الأصم فقال: كل من جحد رسالته فهو مشرك ، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر ، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى ، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين ، لأنهم كانوا يقولون فيها: إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين ، فالقوم قد أثبتوا شريكًا لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر ، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادرًا على خلق هذه الأشياء ، واعترض القاضي فقال: إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد A من الأمور الخارجة عن قدرة البشر ، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركًا ، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد A من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركًا بسبب ذلك إلى غير الله تعالى .