فهرس الكتاب

الصفحة 3208 من 8321

والقول الثالث: قال المبرد مدينة أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه ، فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها ، واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي هي واو المفعول ، والياء التي هي من نفس الكلمة ، فحذفت الواو لأنها زائدة ، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف الأصلي ، ثم كسروا الدال لتسلم الياء ، فلا تنقلب واوًا لانضمام ما قبلها فيختلط ذوات الواو بذوات الياء ، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل ، ثم قال الواحدي: والصحيح أنها فعيلة لاجتماع القراء على همز المدائن .

المسألة الثالثة: { وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين } يريد وأرسل في مدائن صعيد مصر رجالًا يحشروا إليك ما فيها من السحرة . قال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ، ونقل القاضي عن ابن عباس ، أنهم كانوا سبعين ساحرًا سوى رئيسهم ، وكان الذي يعلمهم رجلًا مجوسيًا من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام ، وهي قرية بالموصل . وأقول هذا النقل مشكل ، لأن المجوس أتباع زرادشت ، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه السلام .

أما قوله: { يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي بكل سحار ، والباقون بكل ساحر ، فمن قرأ سحار فحجته أنه قد وصف بعليم ، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به ، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر ، ومن قرأ ساحر فحجته قوله: { وَأُلْقِىَ السحرة } [ الأعراف: 120 ] { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة } [ الشعراء: 40 ] والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر . واحتجوا أيضًا بقوله: { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } [ الأعراف: 116 ] واسم الفاعل من سحروا ساحر .

المسألة الثانية: الباء في قوله: { بِكُلّ ساحر } يحتمل أن تكون بمعنى مع ، ويحتمل أن تكون باء التعدية والله أعلم .

المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان ، وهذا يدل على صحة ما يقوله المتكلمون ، من أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبًا على أهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالبًا على أهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كان مخالفًا للسحر في الحقيقة ، ولما كان الطب غالبًا على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب ، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد E لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة .

ثم قال تعالى: { وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لاجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع ، وابن كثير ، وحفص ، عن عاصم ، { إن لنا لأجرًا } بكسر الألف على الخبر والباقون على الاستفهام ، ثم اختلفوا ، فقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة على أصله والباقون بهمزتين قال الواحدي C: الاستفهام أحسن في هذا الموضع ، لأنهم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا؟ ويقطعون على أن لهم الأجر ويقوي ذلك إجماعهم في سورة الشعراء على الهمز للاستفهام وحجة نافع وابن كثير على أنهما أرادا همزة الاستفهام ، ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت