{ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ } [ الشعراء: 22 ] فإنه يذهب كثير من الناس إلى أن معناه أو تلك بالاستفهام ، وكما في قوله: { هذا رَبّى } [ الأنعام: 78 ] والتقدير أهذا ربي وقيل: أيضًا المراد أن السحرة أثبتوا لأنفسهم أجرًا عظيمًا ، لأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر ، والتنكير للتعظيم كقول العرب: إن له لإبلًا ، وإن له لغنمًا ، يقصدون الكثرة .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: هلا قيل: وجاء السحرة فرعون قالوا ) .
وجوابه: هو على تقدير: سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤه .
فأجيب بقوله: { قالوا أئن لنا لأجرًا } أي جعلا على الغلبة .
فإن قيل: قوله: { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } معطوف ، وما المعطوف عليه؟
وجوابه: أنه معطوف على محذوف ، سد مسده حرف الإيجاب ، كأنه قال إيجابًا لقولهم: إن لنا لأجرًا ، نعم إن لكم لأجرًا ، وإنكم لمن المقربين . أراد أني لا أقتصر بكم على الثواب ، بل أزيدكم عليه ، وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي . قال المتكلمون: وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه إذا كان مقرونًا بالتعظيم ، والدليل عليه أن فرعون لما وعدهم بالأجر قرن به ما يدل على التعظيم ، وهو حصول القربة .
المسألة الثالثة: الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدًا ذليلًا مهينًا عاجزًا ، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام ، وتدل أيضًا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان ، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون ، لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان ، فلم لم يقبلوا التراب ذهبًا ، ولم لم ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا ، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق ، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب . والله أعلم .