فهرس الكتاب

الصفحة 3437 من 8321

{ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } [ محمد: 4 ] .

فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزًا والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟ فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطًا بضابط معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضًا إلى الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول E أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعًا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبًا ولا معصية .

والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيًا أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه E ما كان مأمورًا أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصًا بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر ، كان الذنب صادرًا منهم لا من الرسول A . ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعًا عظيمًا والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال .

فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالًا لقوله تعالى: { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } .

قلنا: إن قوله: { فاضربوا } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب ، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولًا له . والدليل القاطع عليه أنه E استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولًا لتلك الحالة ، لكان مع قيام النص القاطع تاركًا لحكمه وطالبًا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة ، وذلك محال ، وأيضًا فقوله: { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } أمر ، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبًا حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة ، وهذا الجواب شاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت