{ مَا هذا بَشَرًا } [ يوسف: 31 ] ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما: أن: ( ما ) تدخل على المبتدأ والخبر ، كما أن ( ليس ) تدخل عليهما والثاني: أن ( ما ) تنفي ما في الحال ، كما أن ( ليس ) تنفي ما في الحال ، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام ، إلا ما خص بالدليل قياسًا على باب مالا ينصرف .
المسألة الثانية: في الآية إشكال: وهو أن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ، فهو شبه الزوجة بالأم ، ولم يقل: إنها أم ، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله: { مَّا هُنَّ أمهاتهم } وكيف يليق أن يقال: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مّنَ القول وَزُورًا } والجواب: أما الكذب إنما لزم لأن قوله: أنت علي كظهر أمي ، إما أن يجعله إخبارًا أو إنشاء وعلى التقدير الأول أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب ، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضًا كذبًا ، لأن كونه إنشاء معناه أن الشرع جعله سببًا في حصول الحرمة ، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه ، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبًا وزورًا ، وقال بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه: { مُنكَرًا مّنَ القول وَزُورًا } لأن الأم محرمة تحريمًا مؤبدًا ، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريمًا مؤبدًا ، فلا جرم كان ذلك منكرًا من القول وزورًا ، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه ، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة ، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة .
قوله تعالى: { إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مّنَ القول وَزُورًا } أما الكلام في تفسير لفظة اللائي ، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله: { وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون } [ الأحزاب: 4 ] ثم في الآية سؤالان: وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة ، وهذا مشكل ، لأنه قال في آية آخرى: { وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } [ النساء: 23 ] وفي آية أخرى: { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب: 6 ] ولا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أمًا ، وزوجة الرسول أمًا ، حرمة النكاح ، وذلك لأنا نقول: إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة ، فإذًا لا يلزم من عدم كون الزوجة أمًا عدم الحرمة ، وظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة ، وحينئذ يتوجه السؤال والجواب: أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل: الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة ، ولم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سببًا لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة ، فإذًا لا تحصل الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبًا وزورًا .
ثم قال تعالى: { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } إما من غير التوبة لمن شاء كما قال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أو بعد التوبة .