الوجه الخامس: قال كثير من المفسرين: المراد بقوله: { يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد .
/ أما قوله: { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا: { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة .
المسألة الثانية: الفئة: الجماعة ، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ، وقال الزجاج: أصل الفئة من قولهم: فأوت رأسه بالسيف ، وفأيت إذا قطعت ، فالفئة الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم .
المسألة الثالثة: قال الفراء: لو ألغيت من ههنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض ، أما النصب فلأن { كَمْ } بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلًا ، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف { مِنْ } عليه ، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل: كم غلبت فئة .
وأما قوله: { والله مَعَ الصابرين } فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون هذا قولًا للذين قالوا: { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ } ويحتمل أن يكون قولًا من الله تعالى ، وإن كان الأول أظهر .