فالقسم الأول: هم الذين قالوا: { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم } .
والقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } .
والجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل ، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله ، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر .
المسألة الثانية: الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة ، يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ، ومثلها أطاع إطاعة ، والاسم الطاعة ، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة ، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل: أساء سمعًا فأساء جابة ، أي جوابًا .
أما قوله تعالى: { قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين؟ .
وجوابه: أن السبب فيه أمور الأول: وهو قول قتادة: أن المراد من لقاء الله الموت ، قال E: « من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني: { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحدًا لا يعلم عاقبة أمره ، فلا بد أن يكون ظانًا راجيًا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن .
الوجه الثالث: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله ، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعًا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحيئذٍ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص .
الوجه الرابع: أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين ، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله: { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظنًا لا يقينًا لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعًا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن .