والبحث الخامس: وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول: إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها: قوله: { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها: أن قوله: { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يدل على ذلك .
إذا عرفت هذا فنقول: يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهرًا؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها .
أما الأول: ففيه وجوه: أحدها: أنه A قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضًا ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي A على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب: رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي A لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها: روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله A في المصاف ، فقال الشبان: الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ: كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها: قال الزجاج: الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقًا بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئًا سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضًا وجوه: أحدها: قال ابن عباس في بعض الروايات: المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي A يضعه حيث يشاء ، وثانيها: الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال: فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها: أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائدًا على سهمه من الغنم ، ترغيبًا له في القتال ، كما إذا قال الإمام: «من قتل قتيلًا فله سلبه» أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله A ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال: «ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم» فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلًا حتى جاءني رسول الله A وقد أنزلت سورة الأنفال فقال: يا سعد «إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه» قال القاضي: وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضًا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحدًا في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله: { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقًا للمجاهدين .