الفائدة الثانية: في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله A إنما إلى الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى . فاقصدوا الله بها ووجهوها إليه ، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا يخفى على الله خيرًا كان أو شرًا .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: قبول التوبة واجب عقلًا على الله تعالى . وقال أصحابنا: قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والإحسان ، أما عقلًا فلا . وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه: الأول: أن الوجوب لا يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم ، فلو وجب قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقًا للذم ، وهذا محال ، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملًا بفعل القبول ، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال . الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه ، ويظهر له بسببه نقصان حال ، أما من كان متعاليًا عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى ، الثالث: أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية ، ولو كان ذلك واجبًا لما تمدح به ، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم .
المسألة الخامسة: { عَنْ } في قوله تعالى: { عَنْ عِبَادِهِ } فيه وجهان: الأول: أنه لا فرق بين قوله: { عَنْ عِبَادِهِ } وبين قوله: من عباده يقال: أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك . والثاني: قال القاضي: لعل { عَنْ } أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت ، وأقول: إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة { عَنْ } على هذا المعنى ، والذي أقوله إن كلمة { عَنْ } وكلمة «من» متقاربتان ، إلا أن كلمة { عَنْ } تفيد البعد ، فإذا قيل: جلس فلان عن يمين الأمير ، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله: { عَنْ عِبَادِهِ } يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعدًا عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب ، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه ، وبعده عن حضرة نفسه ، فلفظة { عَنْ } كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب .
المسألة السادسة: قوله: { وَيَأْخُذُ الصدقات } فيه سؤال: وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ هو الله وقوله: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } يدل على أن الآخذ هو الرسول E وقوله عليه السلام لمعاذ: