فهرس الكتاب

الصفحة 3644 من 8321

« خذها من أغنيائهم » يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما بين في قوله: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أن الآخذ هو الرسول ، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى ، كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى ، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها الله ، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] وقوله: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله } [ الأحزاب: 57 ] والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام .

والجواب الثاني: أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى: { وَهُوَ الذى يتوفاكم } [ الأنعام: 60 ] وأضافه إلى ملك الموت ، وهو قوله تعالى: { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة: 11 ] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت ، وهو قوله: { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام: 61 ] فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعني أنهم هم الذين يباشرون الأعمال التي عندها يخلق الله الموت ، فكذا ههنا .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَيَأْخُذُ الصدقات } تشريف عظيم لهذه الطاعة ، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال: « إن الله يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيبًا وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد » وقال عليه السلام: « والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله » ولما روى الحسن هذين الخبرين قال: ويمين الله وكفه وقبضته لا توصف { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } [ الشورى: 11 ] واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت