والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزًا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه .
المسألة الثانية: قوله: { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } قال الزجاج: القراءة بنصب { الحق } على خبر { كَانَ } ودخلت { هُوَ } للفصل ولا موضع لها ، وهي بمنزلة «ما» المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله: { الحق } ليس بصفة لهذا وأنه خبر . قال: ويجوز هو الحق رفعًا ولا أعلم أحدًا قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها ، ولكن القراءة سنة ، وروى صاحب «الكشاف» عن الأعمش أنه قرأ بها .
واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى ، وهو قوله: { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية ، وهو قوله: { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقًا فأمطر علينا حجارة من السماء ، ذكر تعالى أن محمدًا وإن كان محقًا في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه ، وعلى منكري نبوته ، لسببين: الأول: أن محمدًا E ما دام يكون حاضرًا معهم ، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيمًا له ، وهذا أيضًا عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين ، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها ، كما كان في حق هود وصالح ولوط .
فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعًا من نزول العذاب عليهم ، فكيف قال: { قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة: 14 ] .
قلنا: المراد من الأول عذاب الاستئصال ، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة .
والسبب الثاني: قوله: { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وفي تفسيره وجوه: الأول: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون ، فاللفظ وإن كان عامًا إلا أن المراد بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة رجلًا ، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد ، والمراد بعضهم . الثاني: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار ، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه ، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم . الثالث: قال قتادة والسدي: { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي لو استغفروا لم يعذبوا ، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم . أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله . ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار ههنا بمعنى الإسلام والمعنى: أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا . منهم أبو سفيان بن حرب . وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب . والحرث بن هشام . وحكيم بن حزام . وعدد كثير ، والمعنى { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان . قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب . قال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار ، أما النبي فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ، ثم قال: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله } واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم ، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل بل يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال: { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية ، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه ، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله: { وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاؤُهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } الذين يتحرزون عن المنكرات ، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية ، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن وليًا للمسجد الحرام ، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا ، فقتلهم الله يوم بدر ، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه .