{ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } [ آل عمران: 106 ] وكذلك قوله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة الفجرة } [ عبس: 40 - 42 ] ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } [ يونس: 28 ] والضمير في قوله: { هُمْ } عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك ، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار ، ولأن العلم نور وسلطان العلوم والمعارف هو معرفة الله تعالى ، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى لم يحصل فيه الظلمة أصلًا ، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول:
كل بيت أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا
يوم يأتي الناس بالحجج ... وقال القاضي: إن قوله: { والذين كَسَبُواْ السيئات } عام يتناول الكافر والفاسق . إلا أنا نقول: الصيغة وإن كانت عامة إلا أن الدلائل التي ذكرناها تخصصه:
المسألة الرابعة: قال الفراء: في قوله: { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } وجهان: الأول: أن يكون التقدير: فلهم جزاء السيئة بمثلها ، كما قال: { فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ } [ البقرة: 196 ] أي فعليه . والثاني: أن يعلق الجزاء بالباء في قوله: { بِمِثْلِهَا } قال ابن الأنباري: وعلى هذا التقدير الثاني فلا بد من عائد الموصول . والتقدير: فجزاء سيئة منهم بمثلها .
أما قوله: { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } فهو معطوف على يجازي ، لأن قوله: { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } تقديره: يجازي سيئة بمثلها ، وقرىء { وَلاَ ذِلَّةٌ } بالياء .
أما قوله تعالى: { كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: { أُغْشِيَتْ } أي ألبست { وُجُوهُهُمْ قِطَعًا } قرأ ابن كثير والكسائي { قِطَعًا } بسكون الطاء ، وقرأ الباقون بفتح الطاء ، والقطع بسكون القطعة . وهي البعض ، ومنه قوله تعالى { فأسر بأهلك بقطع من الليل } [ هود: 81 ] أي قطعة . وأما قطع بفتح الطاء ، فهو جمع قطعة ، ومعنى الآية: وصف وجوههم بالسواد ، حتى كأنها ألبست سوادًا من الليل ، كقوله تعالى: { تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } [ الزمر: 60 ] وكقوله: { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } [ آل عمران: 106 ] وكقوله: { يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم } [ الرحمن: 41 ] وتلك العلامة هي سواد الوجه وزرقة العين .
المسألة الثانية: قوله: { مُظْلِمًا } قال الفراء والزجاج: هو نعت لقوله: { قِطَعًا } وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يجعل حالًا كأنه قيل: أغشيت وجوههم قطعًا من الليل في حال ظلمته .