« أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ، فلما أفاق قال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة » ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان . أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال . والثاني: يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلًا غير ظالم أو لا يعلمون ذلك . فإن علموا ذلك كان مجرد حكمة كافيًا في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة ألبتة ، وإن لم يعلموا لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلمًا فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خالٍ عن الفائدة . وجوابه على قولنا قوله تعالى: { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء: 23 ] وأيضًا ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق ، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم ، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره . إذا ثبت هذا فنقول: الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب .
المسألة الثالثة: قال قوم: إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى: { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْنًا } [ الكهف: 105 ] ، والجواب: أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم .
المسألة الرابعة: إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم ، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات .
أما قوله تعالى: { وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيىء ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرىء: { مِثْقَالَ حَبَّةٍ } على كان التامة كقوله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وقرأ ابن عباس Bهما { أَتَيْنَا بِهَا } وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، وقرأ حميد: أثبنا بها من الثواب ، وفي حرف أبي جئنا بها .