{ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى } [ فصلت: 50 ] ومنهم من أصر على الإنكار ، ويقول: { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [ المؤمنون: 37 ] ومنهم من كان مقرًّا به ، لكنه كان منكرًا لنبوة محمد A ، فقد حصل اختلافهم فيه ، وأيضًا هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره ، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار ، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادرًا على ما يكون ممكنًا في نفسه ، وهذا هو المراد بقوله: { هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } .
والاحتمال الثاني: أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون ، وكانوا جميعًا يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقينًا في دينه ، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية ، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات .
والاحتمال الثالث: أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة .
أما قوله تعالى: { عَنِ النبإ العظيم } ففيه مسائل .
المسألة الأولى: ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها: قوله: { سَيَعْلَمُونَ } والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها: أنه تعالى بين كونه قادرًا على جميع الممكنات بقوله: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا } إلى قوله: { يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور } [ طه: 102 ] وذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادرًا على إقامة القيامة ، ولما كان الذي أثبته الله تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة وثالثها: أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله: { أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين: 6 4 ] وقوله: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } [ ص: 68 67 ] ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقًا والقول الثاني: { إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } [ الواقعة: 77 ] واحتج القائلون بهذا الوجه بأمرين الأول: أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله سحرًا وبعضهم شعرًا ، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين ، فأما البعث ونبوة محمد A فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذا ضعيف ، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلًا في البعث الثاني: أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة ، لأن ذلك في نفسه ليس بنبأ بل منبأ عنه ، ويقوى ذلك أن القرآن سمي ذكرًا وتذكرة وذكرى وهداية وحديثًا ، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث والنبوة والجواب: عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في المعاني ، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضًا في الفصاحة والاحتواء على العلوم الكثيرة ، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها وإذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليمًا القول الثالث: أن النبأ العظيم هو نبوة محمد A ، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول E جعلوا يتساءلون بينهم ماذا الذي حدث؟ فأنزل الله تعالى: { عَمَّا يَتَسَاءلُونَ } وذلك لأنهم عجبوا من إرسال الله محمدًا E إليهم كما قال تعالى: