المسألة الأولى: «الولوج» الدخول . والجمل مشهور ، و «السم» بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين { سَمّ } بالضم ، وقال صاحب «الكشاف» : يروي { سَمّ } بالحركات الثلاث ، وكل ثقب في البدن لطيف فهو «سم» وجمعه سموم ، ومنه قيل: السم القاتل . لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب ، و { الخياط } ما يخاط به . قال الفراء: ويقال خياط ومخيط ، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع ، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات ، لأنه أكبر الحيوانات جسمًا عند العرب . قال الشاعر:
جسم الجمال وأحلام العصافير ... فجسم الجمل أعظم الأجسام ، وثقب الإبرة أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالًا ، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط ، وكان هذا شرطًا محالًا ، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال ، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسًا منه قطعًا .
المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قرأ ابن عباس { الجمل } بوزن القمل ، وسعيد بن جبير { الجمل } بوزن النغر . وقرىء { الجمل } بوزن القفل ، و { الجمل } بوزن النصب ، و { الجمل } بوزن الحبل ، ومعناها: القلس الغليظ ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة ، وعن ابن عباس Bهما أن الله تعالى أحسن تشبيهًا من أن يشبه بالجمل . يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة ، والبعير لا يناسبه . إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه .
المسألة الثالثة: القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية ، فقالوا: إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت ، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط ، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي ، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { وكذلك نَجْزِى المجرمين } أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين ، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون ، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله ، والاستكبار عنها .
واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضًا أنهم يدخلون النار ، فقال { لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: «المهاد» جمع مهد ، وهو الفراش . قال الأزهري: أصل المهد في اللغة الفرش ، يقال للفراش مهاد لمواتاته ، والغواشي جمع غاشية ، وهي كل ما يغشاك ، أي يجللك ، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف ، وقيل اشتقاقها من الجهمة ، وهي الغلظ ، يقال: رجل جهم الوجه غليظه ، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب قال المفسرون: المراد من هذه الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب ، فلهم منها غطاء ووطاء ، وفراش ولحاف .