فهرس الكتاب

الصفحة 3090 من 8321

القول الأول: قال أبو عبيدة «الضعف» هو مثل الشيء مرة واحدة . وقال الشافعي C: ما يقارب هذا ، فقال في رجل أوصى فقال اعطوا فلانًا ضعف نصيب ولدي قال: يعطي مثله مرتين .

والقول الثاني: قال الأزهري: «الضعف» في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين ، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه ، أي مثلاه وثلاثة أمثاله ، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، والدليل عليه: قوله تعالى: { فأولئك لَهُمْ جَزَاء الضعف بِمَا عَمِلُواْ } [ سبأ: 37 ] ولم يرد به مثلًا ولا مثلين ، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله ، لقوله تعالى: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [ الأنعام: 160 ] فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له .

وأما مسألة الشافعي C: فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة ، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له ، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل ، والباقي مشكوك ، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك ، فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين .

أما قوله تعالى: { قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم { يَعْلَمُونَ } بالياء على الكناية عن الغائب ، والمعنى: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر ، فيحمل الكلام على كل ، لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة ، فحمل على اللفظ دون المعنى ، وأما الباقون فقرؤوا بالتاء على الخطاب والمعنى: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ، ما لكل فريق منكم من العذاب ، ويجوز ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك .

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن كان المراد من قوله: { لِكُلّ ضِعْفٌ } أي حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه ، فذلك غير جائز لأنه ظلم ، وإن لم يكن المراد ذلك ، فما معنى كونه ضعفًا؟

والجواب: أن عذاب الكفار يزيد ، فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر ، ثم بين تعالى أن أخراهم كما خاطبت أولاهم ، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم ، فقال: { وَقَالَتْ أولاهم لاِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } أي في ترك الكفر والضلال ، وإنا متشاركون في استحقاق العذاب .

ولقائل أن يقول: هذا منهم كذب ، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة ، قد دعوا إلى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه ، فكانوا ضالين ومضلين ، وأما الأتباع والسفلة ، فهم وإن كانوا ضالين ، إلا أنهم ما كانوا مضلين ، فبطل قولهم أنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر .

وجوابه: أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة ، وعندنا أن ذلك جائز ، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 23 ] .

أما قوله: { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } فهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة ، وإن يكون من قول الله تعالى لهم جميعًا .

واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر ، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض ، ويلعن بعضهم بعضًا ، كان ذلك سببًا لوقوع الخوف الشديد في القلب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت