المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: إذا قلنا إن قوله { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } تقرير لكونه عالمًا بمن ضل ، فقوله تعالى: { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تعلقه به ظاهر ، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء ، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها ، فكيف يتعلق به { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } ؟ نقول: معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب ، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب ، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة ، وعلى هذا قوله: { أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه ، ويثيبه بما أقدم عليه .
المسألة السادسة: الخطاب مع من؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول: مع الكفار ، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله ، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين ، وتقريره: هو أن الله تعالى لما قال: { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } [ النجم: 29 ] قال لنبيه A: قد علم كونك ومن معك على الحق ، وكون المشركين على الباطل ، فأعرض عنهم ولا تقولوا: نحن على الحق وأنتم على الضلال ، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك ، وفوض الأمر إلى الله تعالى ، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى ، وعلى هذا فقول من قال: { فَأَعْرَضَ } منسوخ أظهر ، وهو كقوله تعالى: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدِىَ أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ: 24 ] والله أعلم بجملة الأمور ، ويحتمل أن يقال: على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين ، فخاطبهم الله وقال: هو أعلم بكم أيها المؤمنون ، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم ، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ، ولا تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى ، فإن الأمر عند الله ، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة ، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون ، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي ، وهذا يؤيد قول من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة .