ثم قال تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَقَى } وفي المناسبة وجوه أحدها: هو تقرير لما مر من قوله: { هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ } [ النجم: 30 ] كأن العامل من الكفار يقول: نحن نعمل أمورًا في جوف الليل المظلم ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله تعالى؟ فقال: ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها: هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله ، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات ، فكتب على البعض أنه ضال ، والبعض أنه مهتد ثالثها: تأكيد وبيان للجزاء ، وذلك لأنه لما قال: { لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ } [ النجم: 31 ] قال الكافرون: هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر ، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن ، فقال تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ } فيجمعها بقدرته على وفق علمه كماأنشأكم ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: العامل في: { إِذْ } يحتمل أن يكون ما يدل عليه: { أَعْلَمُ } أي علمكم وقت الإنشاء ، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريرًا لكونه عالمًا ويكون تقديره: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } وقد تم الكلام ، ثم يقول: إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب .
المسألة الثانية: ذكرنا مرارًا أن قوله: { مّنَ الأرض } من الناس من قال آدم فإنه من تراب ، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء ، ثم يصير نطفة .
المسألة الثالثة: لو قال قائل: لا بد من صرف { إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض } إلى آدم ، لأن { وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم } عائد إلى غيره ، فإنه لم يكن جنينًا ، ولو قلت بأن قوله تعالى { إِذْ أَنشَأَكُمْ } عائد إلى جميع الناس ، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات ، وهو قول الفلاسفة؟ نقول ليس كذلك ، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب ، وقوله تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة .
المسألة الرابعة: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات ، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولدًا أو سقطًا ، فما فائدة قوله تعالى: { فِى بُطُونِ أمهاتكم } ؟ نقول: التنبيه على كمال العلم والقدرة ، فإن بطن الأم في غاية الظلمة ، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد .