فهرس الكتاب

الصفحة 6734 من 8321

وقوله تعالى: { ولكن كَانَ فِى ضلال بَعِيدٍ } .

يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه ، وإنما كان ضالًا متغلغلًا في الضلال فطغى ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالًا عن الطريق ، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيرًا ، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرًا ، فقوله { ضلال بَعِيدٍ } وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد ، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير بينًا ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق ، وربما يقع في أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلًا ، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة في ضلال مبين وأخرى قال: { فِى ضلال بَعِيدٍ } .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { ولكن كَانَ فِى ضلال بَعِيدٍ } إشارة إلى قوله { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر: 40 ] وقوله تعالى: { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } [ الحجر: 42 ] أي لم يكونوا من العباد ، فجعلهم أهل العناد ، ولو كان لهم في سبيلك قدم صدق لما كان لي عليهم من يد ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: كيف قال ما أطغيته مع أنه قال: { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر: 39 ] قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه وجهان: قد تقدما في الاعتذار عما قاله الزمخشري والثالث: هو أن يكون المراد من قوله { لأَغْوِيَنَّهُمْ } أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة ، فلا تتركها ، يقال إنه يضله كذلك ههنا ، وقوله { مَا أَطْغَيْتُهُ } أي ما كان ابتداء الإطغاء مني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت