فهرس الكتاب

الصفحة 2020 من 8321

المسألة الخامسة: قوله: { أن آمنوا } فيه حذف أو إضمار ، والتقدير: آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك: { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء: أولها: غفران الذنوب ، وثانيها: تكفير السيئات ، وثالثها: أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال: رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد:

في ليلة كفر النجوم ظلامها ... اذا عرفت هذا: فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد .

أما المفسرون فذكروا فيه وجوها: أحدها: أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها: المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها: أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني: ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا .

وأما قوله: { وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } ففيه بحثان: الأول: أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني: ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين: الأول: أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد ، والثاني: يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث: أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله: { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين } [ النساء: 69 ] .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم: { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } والاستدلال به من وجهين: الأول: أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم إن الله تعالى أجابهم إليه لأنه قال في آخر الآية: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } [ آل عمران: 195 ] وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة . والثاني: وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا: فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله: { فاغفر } فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم إن الله تعالى أجابهم اليه بقوله: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } فدلت هذه الآية على أن مجرد الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على حصول العفو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت