أما قوله: { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الخليل وسيبويه: لا يجوز إمالة «حتى» و «ألا» و «أما» وهذه ألفات ألزمت الفتح ، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف ، نحو: حبلى وهدى إلا أن { حتى } كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى . وقال بعض النحويين: لا يجوز إمالة { حتى } لأنها حرف لا يتصرف ، والإمالة ضرب من التصرف .
المسألة الثانية: قوله: { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } فيه قولان:
القول الأول: المراد هو قبض الأرواح ، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى . قال ابن عباس الموت قيامة الكافر ، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد ، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت وأعوانه .
والقول الثاني: وهو قول الحسن ، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله: { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } أي: ملائكة العذاب { يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم ، حتى لا ينفلت منهم أحد .
المسألة الثالثة: قوله: { أَيْنَمَا كُنتُمْ } معناه أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله . ولفظة «ما» وقعت موصولة بأين في خط المصحف . قال صاحب «الكشاف» : وكان حقها أن تفصل ، لأنها موصولة بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون .
ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: { ضَلُّواْ عَنَّا } أي: بطلوا وذهبوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت .
واعلم أن على جميع الوجوه ، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر ، لأن التهويل يذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد .