فهرس الكتاب

الصفحة 7249 من 8321

« يا ابن مسعود: أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة ، كلها في النار إلا ثلاث فرق ، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام ، وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبس العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله: { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً } إلى آخر الآية »

المسألة الخامسة: لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ، ولذلك قال تعالى بعده: { مَا كتبناها عَلَيْهِمْ } .

المسألة السادسة: { رهبانية } منصوبة بفعل مضمر ، يفسره الظاهر ، تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على { جَعَلْنَا } ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولًا لله تعالى ، وأقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين ، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء .

ثم قال تعالى: { مَا كتبناها عَلَيْهِمْ } أي لم نفرضها نحن عليهم .

أما قوله: { إِلاَّ ابتغاء رضوان الله } ففيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع . أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني: أنه استثناء متصل ، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى ، والمراد أنها ليست واجبة ، فإن المقصود من فعل الواجب ، دفع العقاب وتحصيل رضا الله ، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى .

أما قوله تعالى: { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون } ففيه أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها ، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد ، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا E فآمنوا به فهو قوله: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } ، وثانيها: أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى ، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال ، لكن لا لهذا الوجه ، بل لوجه آخر ، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة وثالثها: أنا لما كتبناها عليهم تركوها ، فيكون ذلك ذمًا لهم من حيث إنهم تركوا الواجب ورابعها: أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدًا E ، ولم يؤمنوا به ، وقوله: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } أي الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به ، ويدل على هذا ما روي أنه عليه السلام قال: « من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون » وخامسها: أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان ، وما كانوا مقتدين بهم في العمل ، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها ، قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون ، ثم قال: { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون } والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ظاهرًا وباطنًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت