قال بعض المحققين: المراد من هذه الهداية الثواب العظيم ، وهي الهداية إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها: { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه ، فإنه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضًا لا يبعد أن يقال: المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم ، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق ، كما قال: { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ } [ العنكبوت: 69 ] .
والقول الثالث: أن المراد من هذه الهداية: الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك .
فإن قالوا: لو كان الأمر كذلك لكان قوله: { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل .
قلنا: يحمل قوله: { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة ، فيزول الإشكال . والله أعلم .
المسألة الثالثة: احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام: { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ، فيدخل في لفظ العالم الملائكة ، فقوله تعالى: { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى: { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } يوجب ذلك . قال بعضهم: { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } معناه فضلناه على عالمي زمانهم . قال القاضي: ويمكن أن يقال المراد: وكلاًّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم .
المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي { واللسيع } بتشديد اللام وسكون الياء ، والباقون { واليسع } بلام واحدة . قال الزجاج: يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها .
المسألة الخامسة: الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله A ، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله A ، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته ، ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف .