فهرس الكتاب

الصفحة 2352 من 8321

ثم قال تعالى: { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرض } جوابًا عن قولهم { فِيمَ كُنتُمْ } وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء .

وجوابه: أن معنى { فِيمَ كُنتُمْ } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارًا عما وبخوا به ، واعتلالًا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم ، بل مع القدرة على هذه المفارقة ، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال: { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا } .

ثم استثنى تعالى فقال: { إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } ونظيره قول الشاعر:

ولقد أمر على اللئيم يسبني ... ويجوز أن يكون { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } في موضع الحال ، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة .

ثم قال: { وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا } أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق . روي أن النبي A بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لسيت من المستضعفين ، ولا أني لا أهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجهًا إلى المدينة ، وكان شيخًا كبيرًا ، فمات في الطريق .

فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه؟

قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا ، فلا جرم حسن هذا إذا أُريد بالولدان الأطفال ، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى ، وإن أُريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال .

ثم قال تعالى: { فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } وفيه سؤال ، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفًا به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال: { عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضًا { عَسَى } كلمة الإطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم .

والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادرًا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزًا مع أنه لا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزًا مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت