"اللّهم سلط عليه كلبًا من كلابك فأكله الأسد". الثالث: أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال فلان: كلب بكذا إذا كان حريصًا عليه . والرابع: هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب ، لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره ، بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز ، وهو غير مذكور في الآية والله أعلم .
المسألة الرابعة: دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح معلمة ، لأنه تعالى قال: { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } وقال A لعدي بن حاتم:"إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل"قال الشافعي C: والكلب لا يصير معلمًا إلاّ عند أمور ، وهي إذا أرسل استرسل ، وإذا أخذ حبس ولا يأكل ، وإذا دعاه أجابه ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر C فيه حدًا معينًا ، بل قال: أنه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به قال لأن الاسم إذا لم يكن معلومًا من النص أو الاجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف ، وهو قول أبي حنيفة C في أظهر الروايات . وقال الحسن البصري C: يصير معلمًا بمرة واحدة ، وعن أبي حنيفة C في رواية أخرى أنه يصير معلمًا بتكرير ذلك مرتين ، وهو قول أحمد C ، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أنه يصير معلمًا بثلاث مرات .
المسألة الخامسة: الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد ، فمكلب صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم ، ومؤدب صاحب التأديب . قال صاحب «الكشاف» وقرىء مكلبين بالتخفيف ، وأفعل وفعل يشتركان كثيرًا .
المسألة السادسة: انتصاب مكلبين على الحال من { عَلِمْتُمُ } .
فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟
قلنا: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرًا في علمه مدربًا فيه موصوفًا بالتكليب { وتعلمونهن } حال ثانية أو استئناف ، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم .
ثم قال تعالى: { الله فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: اعلم أنه إذا كان الكلب معلمًا ثم صاد صيدًا وجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتًا فهو حلال ، وجرح الجارحة كالذبح ، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة . وكذا في السهم والرمح ، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم: لا يجوز أكله لأنه ميتة . وقال آخرون: يحل لدخوله تحت قوله { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وهذا كله إذا لم يأكل ، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء ، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي أنه لا يحل ، وهو أظهر أقوال الشافعي ، قالوا: لأنه أمسك الصيد على نفسه ، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه ، ويدل عليه أيضًا ما روي أن النبي A قال لعدي ابن حاتم: