المسألة الثالثة: اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية ، بل هي أبدًا في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات .
أما القسم الأول: فهو المراد من قوله: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤس كفور . وتقريره أن يقال: أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤسًا ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفورًا لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوسًا وعند حصولها يكون كفورًا .
وأما القسم الثاني: وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافر يكون فرحًا فخورًا . أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية ، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخورًا فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال: { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والمراد منه ضد ما تقدم فقوله: { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين ، وقوله: { وَعَمِلُواْ الصالحات } المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين . ثم بين حالهم فقال: { أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } والثاني: الفوز بالثواب وهو المراد من قوله: { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضًا معجز بحسب معانيه .