فهرس الكتاب

الصفحة 1620 من 8321

وأما الخامس: وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف ، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه الآية { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } [ آل عمران: 7 ] .

وأما السادس: وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدورًا وجب فعله ، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدورًا تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه ، وأن الحق ما ذهبنا إليه .

فإن قيل: فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى: { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } [ الصف: 5 ] .

قلنا: لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون ، ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه .

أما قوله تعالى: { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أي بعد أن جعلتنا مهتدين ، وهذا أيضًا صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى .

ثم قال: { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولًا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة ، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة ، وإنما قال: { رَحْمَةً } ليكون ذلك شاملًا لجميع أنواع الرحمة ، فأولها: أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة ، وثانيها: أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة ، وثالثها: أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها: أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت وخامسها: أن يحصل في القبر سهولة السؤال ، وسهولة ظلمة القبر .

وسادسها: أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات فقوله { مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يتناول جميع هذه الأقسام ، ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو ، ولا كريم إلا هو ، لا جرم أكد ذلك بقوله { مِن لَّدُنْكَ } تنبيهًا للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير ، كأنه يقول: أطلب رحمة وأية رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية العظمة .

ثم قال: { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } كأن العبد يقول: إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي ، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، وغاية جودك ورحمتك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك ، يا دائم المعروف ، يا قديم الإحسان ، لا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه ، واجعله بفضلك أهلًا لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت