المسألة الثانية: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا ، لأن قوله { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلًا بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر .
المسألة الثالثة: وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها .
أما النوع الأول: فقوله: { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحًا } [ الشورى: 13 ] إلى قوله { أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } [ الشورى: 13 ] وقال { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام: 90 ] .
وأما النوع الثاني: فهو هذه الآية ، وطريق الجمع أن نقول: النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين .
المسألة الرابعة: الخطاب في قوله { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } خطاب للأمم الثلاث: أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله { إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } [ المائدة: 44 ] ثم قال { وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ } [ المائدة: 46 ] ثم قال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } [ المائدة: 48 ] .
ثم قال: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } يعني شرائع مختلفة: للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة .
المسألة الخامسة: قال بعضهم: الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون: بينهما فرق ، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة ، وهي المراد بالمنهاج ، فالشريعة أول ، والطريقة رخر . وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمر ، وهذا تقرير ما قلناه . والله أعلم بأسرار كلامه .
ثم قال تعالى: { وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } أي جماعة متفقة على شريعة واحدة ، أو ذوي أمة واحدة ، أي دين واحد لا اختلاف فيه . قال الأصحاب: هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الالجاء .
ثم قال تعالى: { ولكن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } من الشرائع المختلفة ، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله ، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل .
{ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي فابتدروها وسابقوا نحوها .
{ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات .
{ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وموفيكم ومقصركم في العمل ، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الكشوك ويحصل مع اليقين ، وذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .