فهرس الكتاب

الصفحة 3536 من 8321

ثم قال تعالى: { وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله } وفيه قولان:

القول الأول: أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس ، فدل على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد ، ولا مال يتقوى به على تحصيل آلات الجهاد لا يجب عليه الجهاد .

والقول الثاني: أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوي عليه ، وبالمال إذا ضعف عن الجهاد بنفسه ، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفرًا بنفقة من عنده فيكون مجاهدًا بماله لما تعذر عليه بنفسه ، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء .

ثم قال تعالى: { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .

فإن قيل: كيف يصح أن يقال: الجهاد خير من القعود عنه ، ولا خير في القعود عنه .

قلنا: الجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: أن لفظ { خَيْرٌ } يستعمل في معنيين: أحدهما: بمعنى هذا خير من ذاك . والثاني: بمعنى أنه في نفسه خير كقوله: { إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [ القصص: 24 ] وقوله: { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } [ العاديات: 8 ] ويقال: الثريد خير من الله ، أي هو خير في نفسه ، وقد حصل من الله تعالى ، فقوله: { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } المراد هذا الثاني ، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال .

الوجه الثاني: سلمنا أن المراد كونه خيرًا من غيره ، إلا أن التقدير: أن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما ، ولذلك قال تعالى: { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق ، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت