فهرس الكتاب

الصفحة 1984 من 8321

المسألة الرابعة: معنى «نملي» نطيل ونؤخر ، والاملاء الامهال والتأخير ، قال الواحدي C: واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان ، يقال: ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ، قال الاصمعي: يقال: أملى عليه الزمان أي طال ، وأملى له أي طول له وأمهله ، قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار .

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة ، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى ، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير ، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . الثاني: أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان ، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بارادة الله ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين . الثالث: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء ، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان ، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم . قالت المعتزلة:

أما الوجه الأول: فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير ، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد ، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة ، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء ، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل ، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا .

وأما الوجه الثاني: فقد قالوا: ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] وقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } [ النساء: 64 ] بل الآية تحتمل وجوها من التأويل: أحدها: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى: { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } [ القصص: 8 ] وقوله: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } [ الأعراف: 179 ] وقوله: { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } [ إبراهيم: 30 ] وهم ما فعلوا ذلك لطلب الاضلال ، بل لطلب الاهتداء ، ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق اذا كانت عاقبة الموعظة ذلك ، وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم وثالثها: أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان ، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز . ورابعها: وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله: { لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا } غير محمول على الغرض باجماع الأمة ، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض ، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام ، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الاحسان ، واذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض ، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال ، ثم بعد هذا: قول القائل: ما المراد من هذه اللام غير ملتفت اليه ، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل ، فاذا بطل ذلك سقط استدلاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت