{ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر } [ المائدة: 41 ] إلى قوله: { وَمِنَ الذين هِادُواْ } [ المائدة: 41 ] فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار .
المسألة الثالثة: في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة ، فكيف نهى الله عن الطاعة؟
والجواب من وجهين: الأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه الله تعالى عن الاسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } [ فاطر: 8 ] الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك ، ألا ترى إلى قوله: { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة .
ثم قال: { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا } والمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئًا ، وقال عطاء: يريد: لن يضروا أولياء الله شيئًا .
ثم قال تعالى: { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الأخرة } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه رد على المعتزلة ، وتنصيص على أن الخير والشر بارادة الله تعالى ، قال القاضي: المراد أنه يريد الاخبار بذلك والحكم به .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أنه عدول عن الظاهر ، والثاني: بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الاشكال .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الارادة لا تتعلق بالعدم ، وقال أصحابنا ذلك جائز ، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال: { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الأخرة } فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم . قالت المعتزلة: المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال: { وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة: 185 ] قلنا: هذا عدول عن الظاهر .
المسألة الثالثة: الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم ، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة .