فهرس الكتاب

الصفحة 6713 من 8321

وقوله { لَمَّا جَاءهُمْ } في الجائي وجهان: أحدهما: أنه هو المكذب تقديره: كذبوا بالحق لما جاءهم الحق ، أي لم يؤخروه إلى الفكر والتدبر ثانيهما: الجائي ههنا هو الجائي في قوله تعالى: { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } [ ق: 2 ] تقديره: كذبوا بالحق لما جاءهم المنذر ، والأول لا يصح على قولنا الحق وهو الرجع ، لأنهم لا يكذبون به وقت المجيء بل يقولون { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن } [ ياس: 52 ] .

وقوله { فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } أي مختلف مختلط قال الزجاج وغيره: لأنهم تارة يقولون ساحر وأخرى شاعر ، وطورًا ينسبونه إلى الكهانة ، وأخرى إلى الجنون ، والأصح أن يقال: هذا بيان الاختلاف المذكور في الآيات ، وذلك لأن قوله تعالى: { بَلْ عَجِبُواْ } يدل على أمر سابق أضرب عنه ، وقد ذكرنا أنه الشك وتقديره: والقرآن المجيد ، إنك لمنذر ، وإنهم شكوا فيك ، بل عجبوا ، بل كذبوا . وهذه مراتب ثلاث الأولى: الشك وفوقها التعجب ، لأن الشاك يكون الأمران عنده سيين ، والمتعجب يترجح عنده اعتقاد عدم وقوع العجيب لكنه لا يقطع به والمكذب الذي يجزم بخلاف ذلك ، فكأنهم كانوا شاكين وصاروا ظانين وصاروا جازمين فقال: { فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } ويدل عليه الفاء في قوله { فَهُمُ } لأنه حينئذ يصير كونهم { فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } مرتبًا على ما تقدم وفيما ذكروه لا يكون مرتبًا . فإن قيل: المريج ، المختلط ، وهذه أمور مرتبة متميزة على مقتضى العقل ، لأن الشاك ينتهي إلى درجة الظن ، والظان ينتهي إلى درجة القطع ، وعند القطع لا يبقى الظن ، وعند الظن لا يبقى الشك ، وأما ما ذكروه ففيه يحصل الاختلاط لأنهم لم يكن لهم في ذلك ترتيب ، بل تارة كانوا يقولون كاهن وأخرى مجنون ، ثم كانوا يعودون إلى نسبته إلى الكهانة بعد نسبته إلى الجنون وكذا إلى الشعر بعد السحر وإلى السحر بعد الشعر فهذا هو المريج . نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بين أظهرهم ، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرة على يديه ولسانه ، فلما غيروا الترتيب حصل عليه المرج ووقع الدرك مع المرج ، وأما ما ذكروه فاللائق به تفسير قوله تعالى: { إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } [ الذاريات: 8 ] لأن ما كان يصدر منهم في حقه كان قولًا مختلفًا ، وأما الشك والظن والجزم فأمور مختلفة ، وفيه لطيفة وهي أن إطلاق لفظ المريج على ظنهم وقطعهم ينبىء عن عدم كون ذلك الجزم صحيحًا لأن الجزم الصحيح لا يتغير ، وكان ذلك منهم واجب التغير فكان أمرهم مضطربًا ، بخلاف المؤمن الموفق فإنه لا يقع في اعتقاده تردد ولا يوجد معتقده تعدد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت