واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم ، وتقريره من وجهين:
الوجه الأول: أن تقدير الآية: وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه ، فبين تعالى أن ذلك العمل لازم له ، وما كان لازمًا للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو المقصود .
والوجه الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه ، لأن قوله: { ألزمناه } تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه ، ونظيره قوله تعالى: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } [ الفتح: 26 ] وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل ، وإليه الإشارة بقوله E: « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله: { فِي عُنُقِهِ } كناية عن اللزوم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال: قلدتك كذا وطوقتك كذا ، أي صرفته إليك وألزمته إياك ، ومنه قلده السلطان كذا . أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق ، ومنه يقال: فلان يقلد فلانًا أي جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه . قال أهل المعاني: وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيرًا يزينه أو شرًا يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي ، والذي يشين فهو كالغل ، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له ، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته .
ثم قال تعالى: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُورًا } قال الحسن: يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك . فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، حتى اذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . قوله: { وَنُخْرِجُ لَهُ } أي من قبره يجوز أن يكون معناه: نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر ، وقرأ يعقوب: ( ويخرج له يوم القيامة كتابًا ) أي يخرج له الطائر أي عمله كتابًا منشورًا ، كقوله تعالى: { وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ } [ التكوير: 10 ] وقرأ ابن عمر: ( يلقاه ) من قولهم: لقيت فلانًا الشيء أي استقبلته به .