فهرس الكتاب

الصفحة 4515 من 8321

قال تعالى: { ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُورًا } [ الإنسان: 11 ] وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد .

ثم قال تعالى: { اقرأ كتابك } والتقدير يقال له: وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة الملائكة { اقرأ كتابك } قال الحسن: يقرؤه أميًا كان أو غير أمي ، وقال بكر بن عبد الله: يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها ، وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها ، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى: «اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك» فيعظم سروره ، ويصير من الذين قال في حقهم: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ } [ عبس: 38 ، 39 ] ثم يقول: { هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه } [ الحاقة: 19 ] .

وأما قوله: { كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } أي محاسبًا . قال الحسن: عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك . قال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: { اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: قال حكماء الإسلام: هذه الآية في غاية الشرف ، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث:

البحث الأول: أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه ، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقدارًا من الخير والشر ، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه ، فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت ، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولًا لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة . وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين ، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر ، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية .

والبحث الثاني: أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى . وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثًا متقدمًا عليه لحصول الحادث المتأخر ، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله ، وعند هذا يتخيل الإنسان طيورًا لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها ، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب ، وأنها صارت وطارت طيرانًا لا بداية له ولا غاية له ، وكان كل واحد منها متوجهًا إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة ، وهذا هو المراد من قوله: { ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } .

البحث الثالث: أن التجربة تدل على أن تكرار الأعمال الاختيارية تفيد حدوث الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس ، ألا ترى أن من واظب على تكرار قراءة درس واحد صار ذلك الدرس محفوظًا ، ومن واظب على عمل واحد مدة مديدة صار ذلك العمل ملكة له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت