الصفة الثالثة: قوله: { الحامدون } وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه دينًا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم ، وقد ذكرنا التسبيح والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا ، وهم الملائكة ، لأنه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك ، وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا . لأنه تعالى أخبر عن أهل الجنة بأنهم يحمدون الله تعالى ، وهو { وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } [ يونس: 10 ] وهم المرادون بقوله: { والحامدون } .
الصفة الرابعة: قوله: { السائحون } وفيه أقوال:
القول الأول: قال عامة المفسرين هم الصائمون . وقال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة ، فهو الصيام . وقال النبي E: « سياحة أمتي الصيام » وعن الحسن: أن هذا صوم الفرض . وقيل هم الذين يديمون الصيام ، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم ، وجهان: الأول: قال الأزهري: قيل للصائم سائح ، لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه ، كان ممسكًا عن الأكل ، والصائم يمسك عن الأكل ، فلهذه المشابهة سمي الصائم سائحًا . الثاني: أن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة ، وترك المشتهي ، وهو الأكل والشرب والوقاع ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه أبواب الشهوات ، انفتحت عليه أبواب الحكمة ، وتجلت له أنوار عالم الجلال ، ولذلك قال E: « من أخلص لله أربعين صباحًا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام ، ومن درجة إلى درجة ، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات .
والقول الثاني: أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم ، وهو قول عكرمة ، وعن وهب بن منبه: كانت السياحة في بني إسرائيل ، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله . فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئًا ، فقال: يا رب ما ذنبي بأن أساءت أمي ، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين وأقول للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس ، فلا بد له من الصبر عليها ، وقد ينقطع زاده ، فيحتاج إلى التوكل على الله ، وقد يلقى أفاضل مختلفين ، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة ، وقد يلقى الأكابر من الناس ، فيستحقر نفسه في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة ، فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته ، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين .