فهرس الكتاب

الصفحة 3660 من 8321

والقول الثالث: قال أبو مسلم: { السائحون } السائرون في الأرض ، وهو مأخوذ من السيح ، سيح الماء الجاري ، والمراد به من خرج مجاهدًا مهاجرًا ، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد ، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين ، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه الصفات .

الصفة الخامسة والسادسة: قوله: { الراكعون الساجدون } والمراد منه إقامة الصلوات . قال القاضي: وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة ، وهو قيامه وقعوده . والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود ، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها . فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهًا على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم .

الصفة السابعة والثامنة: قوله: { الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر } واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر؛ كتاب كبير مذكور في علم الأصول . فلا يمكن إيراده ههنا . وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد ، لأن رأس المعروف الإيمان بالله ، ورأس المنكر الكفر بالله . والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان ، والزجر عن الكفر . والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأما دخول الواو في قوله: { والناهون عَنِ المنكر } ففيه وجوه:

الوجه الأول: أن التسوية قد تجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى . قال تعالى: { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول } [ غافر: 3 ] فجاء بعض بالواو ، وبعض بغير الواو .

الوجه الثاني: أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ذكر الصفات الستة ، ثم قال: { الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر } والتقدير: أن الموصوفين بالصفات الستة ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه؛ هو الجهاد ، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا .

الوجه الثالث: في إدخال الواو على هؤلاء ، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه ، ولا تعلق لشيء منها بالغير . أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير ، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة ، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله ، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات ، فأدخل عليها الواو تنبيهًا على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة .

الصفة التاسعة: قوله: { والحافظون لِحُدُودِ الله } والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات . والثاني: ما يتعلق بالمعاملات . أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا ، بل لمصالح مرعية في الدين؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذور وسائر أعمال البر . وأما المعاملات فهي: إما لجلب المنافع وإما لدفع المضار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت