فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 8321

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } [ التوبة: 49 ] والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه ، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْرًا } [ المادة: 64 ] وقال: { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } [ فاطر: 42 ] وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده: ما زادتك موعظتي إلا شرًا ، ومازادتك إلا فسادًا فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفرًا لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله . الثالث: المراد من قوله: { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلًا لهم وهو كقوله: { قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ } [ المنافقون: 4 ] الرابع: أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض ، فيقولون: جارية مريضة الطرف . قال جرير:

إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار ، فقال تعالى: { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله: { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين } [ الحشر: 2 ] الخامس: أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سببًا لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال صاحب «الكشاف» : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله: تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم: جد جده ، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله: { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } ففيه أبحاث . أحدها: أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذبًا إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفًا للخبر ، وهكذا الآية حجة عليه . وثانيها: أن قوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم ، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حرامًا فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به . وثالثها: في هذه الآية قراءتان . إحداهما: { يَكْذِبُونَ } والمراد بكذبهم قوله: { بالله وباليوم الآخر } . والثانية: «يكذبون» من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب ، كما بولغ في صدق فقيل صدق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت