فهرس الكتاب

الصفحة 4386 من 8321

{ وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم: 27 ] .

واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارًا ، فلا حاجة إلى الإعادة ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: في الطاغوت قولان: أحدهما: أن المراد به: اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتًا ، ولا يمتنع أن يكون المراد: اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم .

المسألة الخامسة: قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } يدل على مذهبنا ، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذبًا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالًا ، ووجود الضلالة منهم واجبًا عقلًا ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة ، والله أعلم . ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله: { فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } [ الأعراف: 30 ] وقوله: { إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ يونس: 96 ] وقوله: { لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [ يس: 7 ] .

ثم قال تعالى: { فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } والمعنى: سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي ، فقال: { إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ } أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فإن الله لا يهدي من يضل ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يَهْدِي } بفتح الياء وكسر الذال والباقون: { لاَّ يَهِدِّى } بضم الياء وفتح الدال .

أما القراءة الأولى: ففيها وجهان: الأول: فإن الله لا يرشد أحدًا أضله ، وبهذا فسره ابن عباس Bهما . والثاني: أن يهدي بمعنى يهتدي . قال الفراء: العرب تقول: قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى ، والمعنى أن الله إذا أضل أحدًا لم يصر ذلك مهتديًا .

وأما القراءة المشهورة: فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل ، أي من يضله ، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله: { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ } [ الأعراف: 186 ] وكقوله: { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } [ الجاثية: 23 ] أي من بعد إضلال الله إياه .

ثم قال تعالى: { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة . وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة ، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا ، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت