فهرس الكتاب

الصفحة 4385 من 8321

{ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد } [ هود: 87 ] ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين ، والله أعلم .

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: { كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي هؤلاء للكفار أبدًا كانوا متمسكين بهذه الشبهة .

ثم قال: { فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين } أما المعتزلة فقالوا: معناه أن الله تعالى ما منع أحدًا من الإيمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدًا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ . فهذا التبليغ واجب عليهم ، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به ، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه .

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من الله بقوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدًا في جميع الملل والأمم آمرًا بالإيمان وناهيًا عن الكفر .

ثم قال: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } يعني: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون: الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض .

أجاب الجبائي: بأن المراد: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله } لنيل ثوابه وجنته: { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } أي العقاب . قال: وفي صفة قوله: { حَقَّتْ عَلَيْهِ } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضًا قال تعالى بعده: { فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال .

وأجاب الكعبي عنه بأنه قال: قوله: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتديًا ، { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } يريد: من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم: حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد: حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت