فهرس الكتاب

الصفحة 3271 من 8321

وأما الثاني: فلأنه يبعد جدًا أن يقال: حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد E ، وخبر معجزاته وشرائعه ، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص .

المسألة الثانية: هذه الآية وإن دلت على أن محمدًا E مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثًا إلى كل الخلق ، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثًا إلى كل الخلق أم لا؟ إلى سائر الدلائل . فنقول: تمسك جمع من العلماء في أن أحدًا غيره ما كان مبعوثًا إلى كل الخلق لقوله E: « أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ، أرسلت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي . وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي »

ولقائل أن يقول: هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب ، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله A ، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه ، وأيضًا قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثًا إلى جميع أولاده ، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثًا إلى جميع الناس ، وأن نوحًا عليه السلام لما خرج من السفينة ، كان مبعوثًا إلى الذين كانوا معه ، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم .

أما قوله تعالى: { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى .

واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة .

الأصل الأول: إثبات أن للعالم إلهًا حيًا عالمًا قادرًا . والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى: { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } وذلك لأن أجسام السموات والأرض ، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر ، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل ، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له مؤثر ، لكن كان ذلك المؤثر موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكنًا .

والأصل الثاني: إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، وإليه الإشارة بقوله: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل ، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان ، وأرسل أحد الإلهين نبيًا إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقًا له ، بل كان مخلوقًا للإله الثاني ، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته ، فكان بعثة الرسول إليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلمًا وباطلًا . أما إذا ثبت أن الإله واحد ، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيدًا له ، ويكون تكليفه في الكل نافذًا وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازمًا ، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحدًا لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكاليف جائزًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت