فهرس الكتاب

الصفحة 3272 من 8321

والأصل الثالث: إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثًا ولغوًا ، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله: { يُحْىِ وَيُمِيتُ } لأنه لما أحيا أولًا ، ثبت كونه قادرًا على الإحياء ثانيًا ، فيكون قادرًا على الإعادة والحشر والنشر ، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعامًا عظيمًا ، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائمًا مقام الشكر عن الإحياء الأول ، وأيضًا لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادرًا على إيصال الجزاء إليه .

واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ، وأيضًا إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، وأيضًا إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم ، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما بحسب السبب الأول ، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهًا حيًا عالمًا قادرًا ، وعلى أن هذا الإله واحد ، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب .

واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله: { فَئَامِنُواْ بالله ورسوله } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه لما بين أولًا أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمدًا رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولًا ، ثم حصوله ثانيًا ، ثم إنه بدأ بقوله: { فئامنوا بالله } لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل ، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله: { فَئَامنوا بالله } ثم أتبعه بقوله: { وَرَسُولِهِ النبى الامى الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت