{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } [ هود: 66 ] أي بالعذاب نجينا هودًا ، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة ، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟ قلنا إذا كان رادعًا لغيره وصادعًا له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيرًا .
أما قوله: { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: { فَكَأَيِّن } فكم على وجه التكثير ، وقيل أيضًا معناه ، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر ، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالًا وإن لم يذكر مفصلًا .
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة { أهلكناها } بالنون ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب { أهلكتها } وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى { فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } .
المسألة الثالثة: قوله: { أهلكناها } أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا ، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية ، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب .
أما قوله وهي: { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } ففيه سؤالان:
السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟ فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش ، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فإن فسرنا الخاوي بالساقط ، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي خرت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبرًا بعد خبر ، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها ، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلًا للاعتبار .
السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب . أعني { وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال والثانية: لا محل لها لأنها معطوفة على ( أهلكناها ) وهذا الفعل ليس له محل . قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية .
أما قوله: { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ الحسن { مُّعَطَّلَةٍ } من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني: أنه المرفوع المطول ، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف ، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد ، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهرًا خاليًا بلا ساكن ، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر . وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى: