قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس ، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة ، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به ، ويقال للضامن: كفيل . وقال E: « أنا وكافل اليتيم كهاتين » فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الانسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، إذا ثبت هذا فنقول: { وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده ، والمقصود حصول ضد ذلك { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران: 21 ] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى .
ثم قال تعالى: { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتًا } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في المقيت قولان: الأول: المقيت القادر على الشيء ، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب .
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على إساءته مقيتا
وقال آخر:
ليت شعري وأشعرن إذا ما ... قربوها منشورة ودعيت
إلي الفضل أم علي إذا حو ... سبت أني على الحساب مقيت
وأنشد النضر بن شميل:
تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة ... فاني على ما ساءهم لمقيت
الثاني: المقيت مشتق من القوت ، يقال: قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته ، واسم ذلك الشيء هو القوت ، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة ، ثم قال القفال C: وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح ، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع ، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا ، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه .
المسألة الثانية: إنما قال: { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتًا } تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الازل ، وليست صفة محدثة ، فقوله: { كَانَ } مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا ، يدل على أنه كان حاصلا من الازل إلى الأبد .