فهرس الكتاب

الصفحة 6550 من 8321

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزًا ، فلا بد من عامل في الظرف في قوله { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ومن متعلق لقوله { فَسَيَقُولُونَ } وغير مستقيم أن يكون { فَسَيَقُولُونَ } هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام؟ وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ظهر عنادهم { فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } .

ثم قال تعالى: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً } كتاب موسى مبتدأ ، ومن قبله ظرف واقع خبرًا مقدمًا عليه ، وقوله { إِمَامًا } نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائمًا ، وقرىء { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } والتقدير: وآتينا الذي قبله التوراة ، ومعنى { إِمَامًا } أي قدوة { وَرَحْمَةً } يؤتم به في دين الله وشرائعه ، كما يؤتم بالإمام { وَرَحْمَةً } لمن آمن به وعمل بما فيه ، ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن ، وقالوا لو كان خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك ، وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، وجعل هذا الكتاب إمامًا يقتدى به ، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد A فإذا سلمتم كون التوراة إمامًا يقتدى به ، فاقبلوا حكمه في كون محمد A حقًا من الله .

ثم قال تعالى: { وهذا كتاب مُّصَدّقٌ لّسَانًا عَرَبِيًّا } أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمدًا رسول حقًا من عند الله وقوله تعالى: { لّسَانًا عَرَبِيًّا } نصب على الحال ، ثم قال: { لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ } قال ابن عباس مشركي مكة ، وفي قوله { لّتُنذِرَ } قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى: { لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف: 2 ] والياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول ، وقوله تعالى: { الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } إلى قوله { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } [ الكهف: 1 ، 2 ] .

ثم قال تعالى: { وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ } قال الزجاج الأجود أن يكون قوله { وبشرى } في موضع رفع ، والمعنى وهو بشرى للمحسنين ، قال ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى { لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ } وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت