المسألة الثالثة: قوله تعالى: { على مِثْلِهِ } ذكروا فيه وجوهًا ، والأقرب أن نقول إنه A قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم .
ثم قال تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولًا ، فإن قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد A ، وفي سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمدًا الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، ولو كان هذا الدين خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر ، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضربًا ، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقًا ما سبقتنا إليه فلانة . الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم .
المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا ، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو ، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس: 22 ] الثاني: قال صاحب «الكشاف» { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه ، وعندي فيه وجه الثالث: وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله A خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين ، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيرًا لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا .